قصص مؤلمة وفصل جديد من معاناة اليمنيين حول العالم (تقرير)
تهامة برس | عامر الدميني /

في اغسطس/تموز من العام 2016 عزم (م.س) على الهروب من مدينة عدن الساحلية الى أوروبا، بعد تصاعد وتيرة الأحداث في اليمن، والحرب التي أدت إلى مقتل الآلاف ونزوح العشرات.

وضع (م.س) وهو شاب في منتصف عقده الثالث أوروبا كوجهة مفضلة له ليلجأ إليها مع شبان آخرين، بحثا عن الأمان والرزق، وبعيدا عن جحيم الحرب، والمستقبل الغامض في بلده.

كانت عدن حينها قد تحررت للتو من مليشيا الحوثي المتحالفة مع الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، ولكن الاستقرار لم يكتب لهذه المدينة التي أعلنها الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي والمقيم في المملكة العربية السعودية عاصمة مؤقتة للبلاد بعد سقوط صنعاء بيد المتمردين الشيعة في سبتمبر/أيلول من العام 2014.

انضم لهذا الشاب مجموعة من أصدقائه، ووضعوا خطة لمغادرة عدن عن طريق البحر إلى جيبوتي، ومنها إلى ليبيا، ثم إلى سواحل اليونان أو إيطاليا.

كان عدد المجموعة خمسة شبان، لكن اثنان منهم تراجعا قبل مغادرة عدن، بينما شد البقية الرحال نحو المغادرة.

قائد المجموعة (م، س) (اسم رمزي) تخرج من قسم المحاسبة بجامعة عدن، ونشأ يتيما، ويعيل والدته الأرملة وأخته وأخيه، وهو أكبرهم، وعمل خلال فترة معينة محاسبا في أحد المحلات التجارية بعدن.

يقول مصدر مقرب من عائلته لـ”الموقع بوست” إن (م.س) باع ممتلكات عائلته، واستلف مبلغا كبيرا يمكنه من التهرب، ودفع المبالغ التي يطلبها رواد التهريب كالعادة.

عبر البحر وصل الجميع إلى جيبوتي، ثم تمكنوا من الوصول إلى ليبيا، التي تشهد هي الأخرى صراعا دمويا جعل من حدودها مكشوفة أمام تدفق حركة المهاجرين واللاجئين الراغبين بالهجرة نحو أوروبا.

في ليبيا وقعت الكارثة، وقع (م.س) وبقية الفريق من الشباب اللاجئين في يد جماعة ليبية مسلحة، وتم احتجازهم هناك، ولا يزالون.

ولمرة واحدة تم السماح لهم بإجراء اتصال هاتفي بعائلتهم في عدن، وإبلاغهم أنهم في ليبيا، ولعدة أشهر حتى الأن لم يعرف مصيرهم بعد.

وبالصدفة كان هناك شاب يمني نشر مقطعا مصورا لمجموعة سجناء في ليبيا بعد الإفراج عنه، وظهر في الفيديو (م.س) وبقية الشبان، وتعرفت عائلته عليه، وطالبت السفير اليمني في ليبيا بالتدخل، لكنها لم تحصل على أي رد حتى اللحظة.

عوائل راحلة من عدن

تتحدث مصادر محلية في مدينة عدن (جنوبي اليمن) لـ”الموقع بوست” عن العديد من الحالات المشابهة التي نزحت عبر البحر إلى أفريقيا، ومنها إلى دول أوروبية.

في اليونان مضى أكثر من تسعين يوما على وصول عائلة كاملة إلى هناك عن طريق التهريب، وظلت هناك بانتظار إمكانية السفر نحو دول أوروبا، وأقرب دولة لهم هي إيطاليا.

وتعد اليونان بوابة عبور نحو دول أوروبا، وفيها يتم تبصيم وأخذ بيانات اللاجئين ومن ثم يتوزعون تجاه البلدان التي اختاروها، لكن البصمة التي تؤخذ في اليونان لا يعترف بها في بقية دول أوروبا التي ترى أن الإجراءات اليونانية تجاه اللاجئين ليست حازمة وغير كافية.

أفريقيا وجهة جديدة

تحولت جمهوريات أفريقيا ودولها خصوصا المحاذية بحريا لليمن إلى وجهة مفتوحة للاجئين اليمنيين الهاربين من اليمن، بعد أن ظلت اليمن لعقود موطنا للاجئين الأفارقة.

جمهورية أرض الصومال هي جمهورية انشقت عن دولة الصومال، ولم تعترف بها أي دولة في العالم، لكن الأمن الذي تتمتع به وقربها من اليمن، جعلها مقصدا لكثير من اليمنيين، وهناك وصل العشرات من اليمنيين الذين وجدوا ترحيبا من السلطات الحاكمة، وانخرطوا في مجتمعهم الجديد، ومارسوا مختلف الأعمال والأنشطة التجارية هناك.

وإلى جانبها يأتي السودان الذي يرحب باليمنيين دون تأشيرة مسبقة، وارتفع مؤخرا عدد الجالية اليمنية هناك إلى مستوى قياسي مقارنة بالوضع السابق.

تنزانيا وكينيا والكونغو وغيرها من الدول الأفريقية أضحت اليوم مقصدا لطالبي اللجوء والفارين من اليمن، وتتحدث مصادر هناك عن افتتاح الكثير من المشاريع التجارية من قبل يمنيين وفدوا إلى تلك الدول مؤخرا.

آسيا هجرة محدودة

دول قارة أسيا هي الأخرى ينتشر فيها اليمنيون النازحون، بشكل محدود، ويتواجد أغلبهم في ماليزيا التي تمنح اليمنيين تأشيرة دخول عند الوصول إلى أراضيها.

لكن أبرز مكان للهجرة في آسيا يتمثل بالهجرة الطوعية نحو العمل في البلدان الخليجية الغنية بالنفط، خصوصا المملكة العربية السعودية، والتي يتواجد فيها الملايين من اليمنيين العاملين هناك.

ولعل هجرة الحكومة اليمنية بنفسها إلى السعودية التي تقود تحالفا لإعادة الشرعية اليمنية بقيادة الرئيس هادي، ضد المتمردين الحوثيين وحليفهم في اليمن الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح هي أنصع بيان ودليل على الحالة التي تعيشها اليمن واليمنيون في الوقت الراهن.

وتسببت الحرب في اليمن بفقدان اليمنيين لكثير من مزايا السفر إلى بعض الدول العربية والأجنبية، التي فرضت تأشيرات مسبقة كمصر والأردن، أو منعت دخولهم بشكل كامل كالولايات المتحدة الأمريكية.

عوائق في طريق الهجرة

يواجه العديد من اللاجئين حول العالم عدة عوائق تحول دون تمكينهم من الحصول على هذا الحق الممنوح لهم أمميا، ونصت عليه قوانين وتشريعات كثير من الدول حول العالم.

ومن أبرز تلك العوائق بالنسبة لليمنيين عدم استيفاء متطلبات اللجوء الإنساني، وحداثة التجربة بالنسبة لهم، مقارنة بغيرهم كالسوريين والعراقيين الذين يتم قبولهم في الدول الأوروبية مجرد وصولهم إليها، وبدون أي وثائق.

وثمة اتفاقيات دولية تنظم عمل اللجوء حول العالم، وتحتاج لمزيد من الفهم والدراية لطالبي اللجوء، وهي اتفاقية دبلن.

إن اتفاقية دبلن أو معاهدة دبلن كما يسميها البعض هى تنظيم حركة المرور بين دول أوروبا الأعضاء فى الاتفاقية تحت قانون تحكمه عدة بنود، وهناك أيضا بصمة شنغن التي تتعامل بها دول الاتحاد الأوربي، وظهرت دعوات مؤخرا تطالب بإلغائها، وكلا الاتفاقيتين تمثلان عوائق مباشرة ما لم يكن طالب اللجوء على علم كاف بهما.

أسباب الهجرة من اليمن

عُرفت اليمن عبر تأريخها كبلد هجرة ومهاجرين، منذ انهيار سد مأرب، ونزوح كثير من القبائل اليمنية نحو مناطق شبه الجزيرة العربية.

وخلال العقود الماضية شهدت البلاد هدوءًا نسبيا تراجعت فيه الهجرة القسرية، لصالح الهجرة الطوعية التي ارتفعت بشكل كبير في الأربعة العقود الماضية نحو دول الجوار بحثا عن العمل، ولم يكن يخطر على بال أحد من اليمنيين قبل عشرة أعوام مثلا أنهم سيتحولون يوما ما إلى لاجئين حول العالم.

اليوم تقف العديد من الأسباب خلف عملية الهجرة غير الشرعية في اليمن، وساهمت الحكومة اليمنية بشكل كبير في ارتفاع نسبة الهجرة من اليمن إلى دول العالم.

الأوضاع المضطربة في اليمن، وتدهور الوضع الأمني، واستمرار حالة الحرب المفتوحة بالبلاد جميعها أسباب كافية للهجرة من اليمن، والبحث عن مواطن آمنة خارجها.

لم تبذل الحكومة اليمنية الشرعية المقيمة في العاصمة السعودية الرياض أي إجراءات أو جهود لتلافي نسبة الهجرة المتصاعدة بين اليمنيين، وظل الإخفاق الحكومي في استعادة الهدوء والاستقرار داخل اليمن، أحد عوامل الهجرة من الداخل اليمني.

وتبرز الاضطرابات الأمنية والفوضى المفتوحة، وغياب الدولة، واستمرار الحرب، وانعدام فرص العمل، كأحد أبرز الأسباب التي تقف خلف دوافع الهجرة الغير شرعية، واللجوء الإنساني خارج اليمن.

وبسبب عدم وجود حكومة تمارس كامل صلاحيتها داخل اليمن، بالإضافة إلى نشاط العصابات المقاتلة، وتراجع دور منظمات المجتمع المدني في البلاد، فلا توجد إحصائيات رسمية أو حتى شبه رسمية عن موجة النزوح واللجوء التي تعصف باليمنيين.

وما يضاعف الألم بالنسبة لليمنيين هو عدم وجود حكومة تتابع قضايا مواطنيها اللاجئين حول العالم، والذين باتوا يجدون أنفسهم بين حكومة غائبة في الداخل، وفاقدة لقيمتها في الخارج.

المصدر: الموقع بوست