سبتمبر.. المجد والألم
تهامة برس | كتابات/ثابت الأحمدي /

[email protected]

أية حياة تلك قبل سبتمبر!! أي شعب هو في ظل ذلك التحكم لا الحُكم؟! وأيَّةُ إنسانية تلك الإنسانية المهدورة والمعتدى عليها؟!! ليس المشهد غير ظُلمة تجر ظلاما.. بُؤس يصنع شقاء..مذلة تزرع هوانا.. إنها العَدميَّةُ في أزرى صورها.. العبثيةُ في أسوأ مظاهرها.. مشهدٌ جسَّده عمليا “جان فالجان” البئيس في “البؤساء” لفيكتور هيجو؛ وقد تلمَحُه في “مصطفى البردوني” أوفي “بالة” مطهر الإرياني الشهيرة.. وبصورة أكثر اختصارا.. إنها اللا إنسانية!!
يا لله.. أهذا هو نجلُ سبأ وحمير؟ ماذا جرى؟! ألف عام وظلُّ الشيطان منتصب يستزرع بذور الفسق.. يبيع الإفك.. يتسربل ـ زورا ـ بالدين.. يتصنع الزيف حتى طفح الكيل.
عقودٌ تمضي، وسنواتٌ تُولي، وظل الشيطان متسمِّر مكانه، حاجبًا كل الأضواء أن تتسلل فتنكشف سوأتُه.. أن تتبازغ فتبينَ عرجتُه.. أن يحين صبحٌ جديد يبدد ظلمةَ العتمة. أيُّ إفك دون هذا الإفك؟! أيُّ بغي دون هذا البغي؟! لقد نُكب شعبي بمظلمة تاريخية، دونها كل المظالم..
أحقا انتهت أحلامُ اليمنيين عند لقمة العيش التي تسد الرمق؟! هل أصابهم ما أصاب قومَ موسى في صحارى التيه؟! أم إنه زمن السَّبي البابلي الجديد؟! أحقا كاد الزمان أن يلفظ أنفاسَه الأخيرةَ بين يدي ذلك المسخ اللعين “ظل الشيطان”؟ أحقا يُورث شعب بأكمله كما يورث سِقط المتاع؟! لقد توقف التاريخ زمنًا، وتسمَّرت دورة الحياة، باحثة عن بقايا حلم وبقايا حياة، لبقايا شعب أخذ منه “ظل الشيطان” ماضيه وحاضره ونصفَ مستقبله حتى كانت اللحظة الفاصلة..
إنَّ الأمةَ قد تمرض لكنها لا تموت. وإنَّ الليلَ قد يطول، لكنه لا يدوم. وإنَّ جمرةَ الإرادة قد تخبو، لكنها لا تنطفئ. وكما تأتي النبوات من ظلمة الجاهليات، وتنسل أضواء الصباحات من دياجير العتمات، يصحو ضمير الشعب بعد طول سبات، معلنا صوت النفير: هنا سبتمبر.. هنا أيلول..
إيْهٍ يا سبتمبر.. كأني بك مارداً يجلجل على آكام “غيمان”.. بركانا هادرا باتجاه عرش الطغيان، ينسخُ ظلَّ الشيطان ليأتي بأحسن منه، بيدٍ يهدم عرشه، وبأخرى يبني.. وينزُّ الجرحُ دما تسيل معه العَبَرات: أين كنت قبل اليوم يا سبتمبر؟! آه.. حقا لقد صدقت نبوءةُ المقدم الثلايا وهو يلفظ أنفاسَه الأخيرة: “لقد… وستلد يوما ما”!
إنها روح الشعب واحدةٌ في معناها ومبناها، تجلت هديرا صبحَ ذلك اليوم مخاطبة مُستبدِّيه: “زرعتم جمرات اليأس، فاحصدوا نار الانتقام” ومن لم يعلمه الزمن أدَّبَه اليمن!!
موتُ بعضِ الشّعب يُحيي كلّهُ إنّ بعض النقص روح الاكتمالْ
هاهنا بعضُ النجومِ انطفأتْ كي تزيدَ الأنجم الأخرى اشتعالْ
تفقدُ الأشجار منْ أغصانها ثمّ تــــــزدادُ اخضــــراراً واخضـــــلالْ
إن كان للأشهر سيدٌ فسبتمبر سيدها، وإن كان لسبتمبر نفسِه سيدٌ فيوم السادس والعشرين منه سيدُ الأيام وطغراؤها وواسطة عقدها وتاج جبينها.. يوم لا كالأيام.. يوم من أيام الله، فيه انعتقت رقاب اليمنيين من نَيْرِ العبودية ونيران الاستبداد. من ثالوثها البغيض، ورابعها الإمام، “ظل الشيطان” لا ظل الله كما كان يسوق نفسَه، ولا يزال..!
إيْهٍ يا سبتمبر.. إلى صبح يومك الأغر تحج الكلمات.. إلى سدرة منتهاك تعرج الأفكار.. وإلى رحيق أزاهيرك تطير أرواح الشهداء زرافات ووحدانا، ترتل مزمور نضالها المقدس..تصيخ السَّمع نغما سرمديًا وهي تشهد ذكرى فجر عيدها مرددة: “بسمة الوليد تُنسي آلام المخاض” نعم. لقد أزهرت الجراحات غصونا نضرة، وتموسقت أنَّاتُها نغمًا تعزفه ناياتُ الروح سيمفونية أبديَّة، على إيقاعاتها تتراقص أضواء الفجر القادم، معلنة عهدا جديدا، ليمن جديد، بجيل جديد.. اليوم على كل رابية وسفح، وفوق كل جبل وتل، وبين كل شاطئ ومفازة يزرع اليمنيون قبلات النصر، وبين أضلعهم يقين ثوري تعنقد آمالا سبتمبرية، وأشواقا أكتوبرية، يعزفون من أقاصي الروح ملحمة المصير والمسير للقادم الجميل:
مذ بدأنا الشوط جوهرنا الحصى بالدم الغالي وفردسنا الرمال
اليوم تتواصل شهقة الفرح ومعها يتسربل حلم الانتصار لها ثانية من خاطفي روح سبتمبر الذين بغوا عليها، وقد قدم خيرةُ شبابها “ماءَ القلب” قرابين زكية، علها أن تقيهم مطامع وأهواء “ورثة ظل الشيطان” من مختلف القوى والاتجاهات بوهج متجدد، تنثال معه تطلعات اليمانيين نحو التغيير بصورة أشمل وأوسع، مستلهمين من تجارب الأمس معالم الغد المنشود، وقد بلغ بنوه سنَّ الرشد السياسي، وقليلا..
ليت شعري ما الذي تريده أصوات الشؤم التي تنعق اليوم كغراب البين، وهي تحن إلى تلك الحقبة السوداء من تاريخ الشعب اليمني، حالمة بعودتها لتتألَّه عليه من جديد حد توهمها؟! أتريد أن تحصد اللعنات مرة أخرى؟! أم تصيبَ من عار التاريخ ولو قليلا، كما أصاب أجدادُها الأوائل لعنات الدهر؟! حتى الآن يبدو أن هذه الجماعة لم تدرك أن زمن البغي قد ولى وإلى غير رجعة، وهم اليوم أمام خيارين: إما أن يتجددوا أو يتبددوا!! لم تدرك أن الشعب قد رفض كل الوصايات وقد بلغ رشده السياسي، رافضا لكل أشكال الكهنوت والبغي والتخلف!
هذه الأرض التي سرنا على صهوات العز فيها وأتينا
وملكنـــا فوقها أقدارنا ونواصيها فشئنا وأبيـنا
أبدا لن تنتهي فيها انتصـا راتنا إلا إذا نحن انتهينـا