التخطي إلى المحتوى
صورة توكل كرمان
توكل كرمان
تهامة برس | بقلم - عصام القيسي |

من الصعب أن تتحدث بحياد عن شخص تعمل تحت إدارته أو صاحب فضل عليك، ومن الصعب أيضاً أن يقبل الناس منك إشادة بالشخص الذي يعطيك راتبك. لأن شبهة وجود مصلحة تجعل حديثك مجروحا. ولهذا أفضل أن أؤجل الحديث عن شخصية توكل كرمان التي أعمل برفقتها وتحت إدارتها، إلى أن تنتهي هذه الملابسات. أما الآن وعلى خلفية الجدل حول صورة السيدة توكل في شعار مؤسستها فأود أن أتحدث عن موضوع آخر له صله بتوكل وبنا نحن اليمنيين، هو ما أسميه بعبقرية اليمني في تحطيم رموزه.
نعم اليمني عبقري في تحطيم رموزه، على عكس شعوب أخرى تصنع رموزها من اللا شيء. كنت دائماً أقول إن الشعب المصري – وهو نموذج عربي قريب – يجيد صناعة الرموز المصرية، ويصنع من كل شيء هرما، حتى لو كان فيفي عبده!. مع أن معظم مشاهير مصر ليسوا مصريين خالصين. يعني ليسوا أقيالاً مصريين، بل مولدين من أصول وجنسيات ثنائية، وكل واحد فيهم لديه من العيوب والأخطاء ما يشوش على رمزيته. ومع ذلك يصنع منهم الشعب المصري أيقونات. لأنه يدرك بذكائه الفطري أن هذه الرموز هي رصيد أمته التاريخي وبطاقتها التعريفية وقوتها الناعمة. وهذا ما لم ندركه نحن اليمنيين حتى الآن بشكل واضح.

ربما اعتقد بعض الناس إن توكل كرمان لا تصلح رمزاً يمنياً لأنها إنسانة عادية بسيطة تشبهنا في كل شيء: تنفعل مثلنا، وتخطئ مثلنا، وليس لديها ثقافة عباس محمود العقاد ولا تاريخ تشي غيفارا، لكن هذا مجرد وهم وجهل بالتاريخ ليس إلا. إذ لو كانت لدى هؤلاء ثقافة تاريخية كافية لعرفوا أن أمة كبيرة مثل الأمة الفرنسية – مثلا – قد جعلت من راعية أغنام بسيطة تدعى جان دارك أيقونة تاريخية ورفعتها لدرجة القداسة لمجرد أنها قادت جيشا فرنسيا لمقاومة الانجليز وهي في سن الثالثة عشرة، وقتلت حرقا في سن التاسعة عشرة.

جان دارك لم تكن مثقفة، ولا إنسانة استثنائية، والعمل الذي قامت به ليس أصعب من خروج امرأة في مجتمع مثل المجتمع اليمني لمواجهة نظام سياسي مثل نظام صالح. من حيث الشكل فقط يبدو عمل جان دارك أخطر وأهم مما قامت به توكل كرمان في 2011، أما من حيث المضمون فما قامت به توكل أصعب وأتعب، لأنها امرأة، في مجتمع تقليدي لا يحترم النساء، لديها أولاد ومسئوليات، خرجت لتواجه النظام السياسي الفاسد، وجزءا من المجتمع الذي يدعمه. هذا أصعب بكثير من خروج فتاة غير متزوجة، وغير مسئولة عن أحد، وعاشت في الفيافي، مثل جان دارك، لقيادة جيش بلدها في حرب ضد المحتل. هذه مهمة ليس فيها أي إرهاق نفسي لأنها مهمة محترمة في نظر الجميع. هذه مهمة يتسابق إليها الجميع إذا جاءت الفرصة. أما مهمة توكل كرمان في ثورة فبراير فهي أصعب وأشد وطأة على النفس للأسباب التي أشرت إليها سلفاً وغيرها من الأسباب.

لا أريد أن أتورط الآن في مديح السيدة توكل كما قلت، لكن هذا ما اقتضاه توضيح الفكرة. وخلاصة القول إن علينا نحن اليمنيين أن نسعى إلى صناعة رموزنا الوطنية لا أن نحطم ما هو موجود منها. علينا أن نجتهد في صناعة الرموز لأننا أمة فقيرة في بنك الرموز الوطنية. وهذا الفقر هو أحد أسباب هدر كرامتنا الوطنية في الخارج. علينا أن نصنع رموزنا وأن لا نتوقف عند تفاصيل تافهة تعطل مصالحنا بسبب تفكير مثالي ساذج أحياناً، أو بسبب دوافع الحسد والرغبة في الانتقام ممن أفسد علينا نظامنا الفاسد!.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *