جهاد الكافر أم مقاومة الغازي؟
محمد جميح
تهامة برس | كتابات.

أحب أن ألخص المقال بعبارتين: الأولى: أنه «عندما تستغل القضايا العادلة مالياً وسياسياً، فإن ما يكسبه مستغلوها يضاف إلى فواتير خسائرها». والثانية: أننا «عندما نطلب «ثأر الإنسان» تحت راية «ثأر الله»، فإننا نمارس الخديعة التي تؤدي إلى خسارة المعركة التي تصورنا أنها معركة إلهية».

هاتان العبارتان ليستا خلاصة المقال وحسب، ولكنهما خلاصة عقود من استغلال القضايا العادلة، ومزج المقدس بغير المقدس، في منطقتنا العربية التي آلت إلى موجة من التطرف الديني، الناتج عن خلط المفاهيم وتداخل المصطلحات، حيث تبرز عناوين كثيرة مثل الإسلام والجهاد والوحدة وفلسطين والمقاومة وغيرها، أمثلة حقيقية على خسائر جسيمة تعرضت لها القضية مقابل أرباح عظيمة حصدها المستغلون.

تصوروا – على سبيل المثال- كيف تتحول الآيتان الكريمتان إلى دعايات مجانية لصالح صاحب كافتيريا كتب عليها «وسقاهم ربهم شراباً طهورا»، (الإنسان:21)، أو صاحب حافلة ركاب كتب عليها «اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها»، (هود: 41)»! قيسوا على ذلك أولئك الانتهازيين الذين فتحوا دكاكين سياسية، وعلقوا عليها آيات من القرآن من مثل «فإن حزب الله هم الغالبون»، (المائدة:56)، أو «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين» (التوبة:117).

تصوروا كيف تتحول الآية إلى أصوات انتخابية عندما يرفع مرشح ما في الانتخابات صورته مكتوباً عليها «إن خير من استأجرت القوي الأمين»، (القصص:26)، أو يرفع آخر صورته في مهرجان سياسي مقرونة بالآية «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت»، (الأحزاب 33). تصوروا قدر الجرم الذي يرتكب عندما تتحول الآيات إلى رصيد انتخابي، وتجير إلى أوراق نقدية، وتخضع لعمليات أشبه ما تكون بالمضاربة في البورصات وأسواق الأسهم المالية والسياسي. تُرى كم خسر الإسلام من توظيفه لمكاسب مالية وسياسية؟ كم من أموال جُمعت باسم الله لتذهب لمستحقيها لكنها وجدت طريقها إلى أبراج سكنية وشركات تجارية وحسابات مصرفية لمن جمعوها؟ ألا يدخل أولئك المضاربون في بورصة الأديان ضمن من شملتهم الآية: «اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، إنهم ساء ما كانوا يعملون»(التوبة- 9).

ورغم عظم فائدة المزايدين بالآيات، إلا أن الآية ذكرت أن ما يتحصلون عليه «ثمناً قليلاً»، لأن الآية تربط نسبية الثمن المتحصل بـ»جسامة الخسارة الحاصلة» للدين ولآيات الله، جراء توظيفها سياسياً ومالياً، ولذا وصف العمل بأنه «ساء ما كانوا يعملون». ومع توسع القائمين على «البازارات الدينية» اليوم في استهلاك «الرموز الدينية»، واعتصار كل مرموزاتها التاريخية، يمكن لنا أن نوسع دائرة التساؤل، ليشمل عظم الخسائر التي تعرضت لها شخصيات تاريخية كالإمام علي ونجله الحسين لكثرة ما ارتكب باسميهما من جرائم مروعة في العراق وسوريا، عندما عمدت جهات طائفية بعينها إلى تحويلهما إلى مجرد «رافعتين» لمدفعية حزب الله اللبناني ضد السوريين في حمص ولهاونات الحشد الشعبي ضد العراقيين في الفلوجة، تماماً كما يُستنزف الخليفة عمر بن الخطاب عندما تشكل كتائب باسمه لممارسة أفعال مروعة هنا وهناك؟ والشيء ذاته يمكن أن يقال في تحويل اسم «الله والنبي» إلى ستار يغطي جرائم «داعش» و»القاعدة» في حق المدنيين في بلدان مختلفة. إن العرب اليوم لا يكتفون باستنزاف حاضرهم ومستقبلهم، ولكنهم يستنزفون- بشكل مدهش- إرثهم الحضاري ومضامين رموزهم التاريخية. إنهم يعمدون إلى الرموز المجردة ليعجنوها بغبار معاركهم اليومية، التي يحاولون أن يبنوا من غبارها بنيانهم الحديث.

هذا «التوظيف الديني»- من وجهة نظر الكاتب – نابع من عدم تمييز المتدينين بين ما هو للذات الإنسانية من مصالح وأطماع وآمال وأتعاب ومواجع وثارات وحروب، وما هو مرتبط بالذات الإلهية من مثل وقيم وروحانيات، مع اقتضاء عدم الخلط بين الحقلين، وعدم استعمال ما هو لله باعتباره مقدساً، للتغطية على ما هو للإنسان باعتباره غير مقدس.

هناك – على سبيل المثال- ثأر شخصي يخص الإنسان، وهناك «جهاد مقدس» على علاقة بالقيم والمعاني الكبيرة، ومشكلة المسلم اليوم أنه يخلط بين المفهومين، كما يخلط بعض المسلمين بين «ثأرهم الذاتي» و»ثأر الحسين» الذي يسمونه كذلك «ثأر الله».

لقد عانى المسلمون في بعض البلدان من ظلم دولي وإقليمي ومحلي كبير، الأمر الذي جعل بعضهم ينتهجون العنف ثأراً لأنفسهم من هذا الظلم، لكنهم أخطأوا حين قالوا إنهم يثأرون لله، في حين أنهم إنما يثأرون لأنفسهم وأوطانهم بشكل أو بآخر. ولأوضح أكثر، فإن معظم حركات التطرف في المشرق الإسلامي جاءت كردة فعل على مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية، التي استهدفت بلداناً إسلامية بعينها، لكن هذه الحركات- إمعاناً في زعمها الطهوري- قالت إنها لم تأت كرَدَّة فعل لتدمير أفغانستان والعراق على سبيل المثال، ولكن هذه الحركات زعمت أنها جاءت امتثالاً لأمر الله في «محاربة الكفار»، وهو الهدف الذي سهَّل وصمها بالتكفير والإرهاب، في حين لم تقل هذه الحركات إنها جاءت امتثالاً للحق في «الدفاع عن النفس»، وهو الهدف الذي كان يمكن أن يلقى قبولاً إنسانياً، وتضامناً شعبياً. والفرق كبير بين الهدفين، إذ إن «محاربة الكفار» تنفتح على دلالة قتال «الكفار» لتحويلهم إلى الإسلام، بينما ينفتح مصطلح «الدفاع عن النفس» على دلالة الحرب المعللة، التي يمكن تبريرها، وربطها بـ»جريمة المعتدي»، لا بـ»كفر الكافر»، وهو ما لم تدركه تلك الحركات التي تزعم قتال «الكفار لأنهم كفروا بالله»، من دون أن توفق لفكرة أنها تقاتل «المعتدين لأنهم اعتدوا على الوطن». ولو أن تلك الحركات المتطرفة فطنت لذلك لما انحرفت عن الهدف الأساس لمفهوم الجهاد في الإسلام، وهو «ردع العدوان والدفاع عن النفس»، إلى مفاهيم عقدية، أعطت القوى الكبرى الغطاء اللازم لاستهداف بلدان المسلمين، تحت مبرر محاربة الإرهابيين والتكفيريين، كما أعطت تلك المفاهيم القوى الكبرى الغلالة الرقيقة التي تحاول بها أن تستر جريمتها التاريخية في تدمير بعض بلدان المسلمين مستغلة جهل هؤلاء المتطرفين ونزقهم.

كان بإمكان المسلمين الذين استهدفتهم القوى العظمى اليوم بالحرب، الدفاع عن أنفسهم وبلدانهم بإعلان «مقاومة الغازي»، من دون الحاجة إلى اللجوء إلى شيطنة هذا الغازي بـتكفيره» لتبرير «الجهاد» ضده، لأن «جريمة الغزو» كافية لتبرير «المقاومة»، ولأن الغازي- أصلاً- شيطان لا يحتاج إلى «شيطنة»، ولأن مفهوم «الجهاد الديني» لا يختلف- عند الفهم الصحيح – عن مفهوم «المقاومة الوطنية».

وبالعودة إلى الوراء قليلاً، نجد أن حركات التحرر العربي خلال القرن الماضي نهجت درب «مقاومة المستعمر»، لـ»نيل الاستقلال»، بدلاً من «جهاد الكافر» لـ»فرض الإسلام»، الأمر الذي جعل هذه الحركات تكسب التأييد الدولي والغطاء السياسي المناسب، مع أن معظم حركات التحرر العربي لم تبتعد عن المرجعية الإسلامية، حيث قاد هذه الحركات شيوخ إسلام ومقاومون انطلقوا من مفهوم المقاومة باعتبارها واجباً وطنياً وقومياً وإسلامياً.

إن الحرص على أن تظهر الحركات والتنظيمات المتطرفة على أساس أنها لا تقاتل لـ»أهداف دنيوية» هو الذي جعلها تضع لها «أهدافاً دينية»، مع أن دخول هذه الحركات في صراع بيني داخلي يشير إلى «أهداف دنيوية لا دينية»، ومع أن «الأهداف الدينية» المعلنة سهَّلت استهداف تلك الحركات وتأليب العالم ضدها، الأمر الذي أوصلنا إلى النتيجة الكارثية المختصرة في المعادلة الصعبة المتمثلة في أن المسلمين اليوم في الحقيقة هم «الضحايا»، لكنهم في نظر العالم «إرهابيون»